كربلاء تطور المدلول

يرى الباحثون أن   كربلاء في مراحل التأريخ السابق للإسلام هي مكان اكتسب تسميته من فرضيات عدّة لعل أشهرها أنها تعني (مكان الإله)، و(معبد الإله) وعموما ((لم تكن كربلاء في العهد القديم قبل الفتح الإسلامي بلدة تستحق الذكر، ولم يرد ذكرها في التأريخ إلاّ نادرا)). ولانريد الدخول في تفاصيل هذه الفريضات؛ لأنّها ليست موضع عناية البحث، وذلك لارتباط كربلاء ودلالتها بالذاكرة الإسلامية ارتباطا وثيقا حينما أُخبرَ الرسولُ (صل الله عليه واله وسلم) بمقتل ولده الحسين (عليه السلام) على أرضها وقد تواترت الروايات عنه (صل الله عليه واله وسلم) في ذلك، منها قوله: ((أنّ ابني هذا ـ يعني الحسين ـ يقتل بأرض يقال لها كربلاء فمن شهد ذلك فلينصره)).

ومنها قوله (صل الله عليه واله وسلم): ((أنّ جبريل كان معنا في البيت فقال: أتحبه؟ فقلت: أمّا من حبّ الدنيا فنعم، فقال: أمَا أنّ أمتك ستقتل هذا بأرض يقال لها كربلاء)) وأورد صاحب كتاب الوافي بالوفيات ما نصه: ((كان النبي (صل الله عليه واله وسلم) قد أخبر أنّه يقتل بأرض العراق بالطفّ بكربلا وأتاه جبريل عليه السلام بتربة الأرض التي يقتل فيها، فشمها رسول الله (صل الله عليه واله وسلم) وأعطاها أمّ سلمة وقال لها: إذا تحولت هذه دمّا فاعلمي أنّ ابني قُتِل، فجعلت تنظر إليها وتقول: إنّ يوما تحوّلين دماً ليوم عظيم)).

فكربلاء دلت في هذه الحقبة على مكان في العراق يُقتَل فيه الحسين (عليه السلام)، وفي حقبة الفتوحات أشير إلى كربلاء في بعض أبيات من شعر لرجل من بني أشجع كان مع خالد بن الوليد حين فتح العراق إذ قال:

              لقد حبستُ في كربلاء مطيتي          وفي العين حتى عاد غثا سمينها

              إذا زحلت من مبرك رجعت له        لعـمـرُ أبـيهــا أنـني لأهـينـهــــا

             ويمنعها من ماء كلّ شريعــــــة        رفاقٌ من الذبّان زرق عيـونـهـا

وفي خلافة الإمام عليّ (عليه السلام) أراد الإمام أنْ يذكرهم بمكان استشهاد الحسين(عليه السلام) ، والواجب الملقى على عاتقهم في وجوب نصرته ، وذكر لهم ثواب نصرته ، وذلك حينما سار إلى صفين ((فلما حاذى نينوى نادى أصبر أبا عبد الله أصبر أبا عبد الله بشطّ فرات قلت "الراوي" : وماذا ؟ قال : دخلت على النبي  (صل الله عليه واله وسلم) وعيناه تفيضان ، قلت : يانبي الله أغضبك أحد ما شأن عيناك تفيضان ؟ قال(صل الله عليه واله وسلم) : بل قام من عندي جبريل وحدثني أنّ الحسين يقتل بشطّ فرات))، ومما قاله (عليه السلام) بيان ثواب شهداء كربلاء رواية عن (( شيبان بن مخرم   ـ وكان عثمانيا ـ قال : إنّي لمع عليّ إذ أتى كربلاء فقال : يقتل بهذا الموضع شهيد ليس مثله شهداء إلاّ شهداء بدر )) ومنها قوله(عليه السلام) مشيرا إلى أرض كربلاء (( واهاً لك تربة ليقتلنّ بك قوم يدخلون الجنّة بغير حساب))، وأقوال الرسول(صل الله عليه واله وسلم) والإمام علي(عليه السلام) جعلت دلالة كربلاء إلى مكان يمثل طريق الجنّة لأنّ المدافعين عن الدين الصحيح سيقتلون فيها ومن سيقفون ضدهم هم أصحاب النار من مثل قول الإمام علي(عليه السلام) حينما خاطب عمر بن سعد (( فقال له : كيف أنت إذا قمت مقاما تُخيَرفيه بين الجنّة والنار فتختار النار)) وتحقق إخبار الإمام له (( لمّا ولاّه عبيد الله بن زياد الريّ فلما بلغه الخبر وجه إليه أنْ سرْ إلى الحسين فأقتله فإذا قتلته رجعت ومضيت إلى الريّ، فقال له إعفني أيها الأمير، قال : قد أعفيتك من ذلك ومن الريّ ، فقال اتركني أنظر أمري فتركه فلما كان الغد غدا عليه فوجه معه بالجيوش لقتال الحسين(عليه السلام) ))، فتحولت كربلاء إلى ما يدلّ على مكان استشهاد  الحسين(عليه السلام) ، وهي ما تداوله الناس ، يؤكد ذلك قول الحسين حينما خطب أيام الحجّ قبل خروجه إليها فقال: (( وخُيرَ ليَ مصرع أنا لاقيه ، كأنّي بأوصالي تقطعها عسلان الفلوات بين النواويس وكربلا )).  

المصدر/ مجلة السبط، العدد الخامس، 2017م، مركز كربلاء للدراسات والبحوث، ص 37-38.

مواضيع قد تعجبك